عين القضاة
65
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( الوجد ليس بسكون ولا حركة ، فالسكون مع الوجود قوة ، والحركة ضعف . وحقيقة الوجد لا توصف بعبارة ، والموصوف من حقائقه أشراطه ، ومواريثه ، وحكمه . وذاتيّة الوجد لا ينطق بوصفها علم ) . أقول : يريد أن يبيّن أنّ الوجد لا يستلزم الحركة ؛ لوجوده مع السكون ، ولا السكون ؛ لوجوده مع الحركة ، إلّا أنّ وجوده مع السكون دليل قوّة الواجد ، ومع الحركة دليل ضعفه . وحقيقة الوجد لا توصف ، أي لا تحدّ ؛ لأنّ الحدّ يتحقّق بذكر ذاتيّات المحدود ، وحقائقه التي هو بها هو . وذاتيّة الوجد لا تدخل تحت وصف العلم ، ومن جملة حقائقه التي لا يوجد بدونها ، أشراطه المتقدّمة عليه ، ومواريثه ؛ أي لوازمه المتأخّرة ، وحكمه ؛ أي فوائده وأغراضه المقارنة له ، وهذه الحقائق يتعذّر ضبطها ، مع كون بعضها من حقائق الوجد ، فكيف تضبط في الجمع ؟ ! وقال : ( الوجد مصادفة الغيب بالغيب ، والوجود حضور القلب للوارد ، والتواجد حركة الواجد بمشاهدة الوجود ) . أقول : فرّق بهذا القول بين الوجد ، والوجود ، والتواجد ، فقال : ( الوجد مصادفة الغيب بالغيب ) ، أي وجدان الحقّ بالحقّ ؛ لأنّه لا يصادفه غيره ، وهو المراد بالغيب ، كما في قوله سبحانه : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : الآية 3 ] ، ( والوجود حضور القلب للوارد ) ، أي شهوده لما يرد عليه من الحقّ ، وعند أكثر الصوفيّة أنّ الوجود فوق الوجد ، يعنون بالوجد : مصادفة حال من الحقّ غير مستقرّ بعد ، فإن استقرّ سمّوه الوجود . وظاهر قول الشيخ - رحمه اللّه تعالى - أنّ الوجد أعلى من الوجود ؛ لأنّ مصادفة الحقّ بالحقّ فوق مشاهدة القلب الوارد منه ، ويمكن التوفيق بين قوله ، وما ذهب إليه الصوفيّة ، أنّ مصادفة الغيب بالغيب حال الفناء في الحقّ ، ومشاهدة القلب ما يرد منه حال البقاء بالحقّ ، والبقاء به أعلى من الفناء فيه . وأمّا التواجد ، فهو حركة الواجد بمشاهدة القلب حال الوجود ، وقال الصوفيّة : « التواجد استجلاب الوجد بالحركة » ، فهو على قولهم غير موجود في التواجد ، وعلى قول الشيخ موجود فيه .